أخبار التقنية
عندما لا يعود البحث يعرض الروابط: المنطق العميق لإعادة هيكلة جوجل للإنترنت بالذكاء الاصطناعي
ستقوم جوجل بتحويل خدمة البحث بأكملها لتكون مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، حيث ستُستبدل قوائم نتائج البحث التقليدية بإجابات يولدها الذكاء الاصطناعي وواجهات تفاعلية حوارية. كيف سيعيد هذا التحول كتابة قواعد الوصول إلى المعلومات، وإنتاج المحتوى، واقتصاد المنصات؟
عندما يتوقف البحث عن إرجاع الروابط: المنطق العميق لإعادة هيكلة جوجل للإنترنت عبر الذكاء الاصطناعي
في مؤتمر Google I/O للمطورين عام 2026، أعلن الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي أن شريط بحث Google بأكمله سيُعاد تصوّره "بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي". قبل ذلك، ظل شكل شريط البحث قائمًا لما يقارب ثلاثة عقود — صندوق أبيض، وبضع كلمات مفتاحية، وسلسلة من الروابط الزرقاء. أصبح هذا اليوم جزءًا من الماضي. فالمحادثات التوليدية تحلّ الآن محل قوائم نتائج البحث، لتصبح البوابة الجديدة التي يعبر منها المستخدمون إلى عالم الشبكة.
وقد وصف موقع TechCrunch هذا التغيير بعنوان "Google Search as you know it is over". لكن ما يستحق الاهتمام حقًا ليس الحقيقة السطحية المتمثلة في أن "البحث تغيّر"، بل الكيفية التي سيعيد بها البحث المعاد تعريفه بواسطة الذكاء الاصطناعي — أو "محرك الإجابات" — تشكيل تدفق المعلومات ونماذج الأعمال وهياكل القوة على الإنترنت بشكل جذري.
أولاً: من "الاسترجاع" إلى "التوليد": تحوّل نموذج التفاعل بين الإنسان والآلة
جوهر البحث التقليدي هو أمر واحد: ساعدني في العثور على صفحات الويب التي تحتوي على هذه الكلمات المفتاحية. منطقه الأساسي يقوم على "الفهرسة والترتيب"، حيث يُنقل المستخدم إلى مصدر معلومات ثم يُترك له الحكم بنفسه. أما جوهر بحث الذكاء الاصطناعي فهو أمر آخر: ساعدني في الإجابة عن هذا السؤال. إذ يستهلك النظام كميات هائلة من البيانات ليعطي إجابة شاملة بشكل مباشر.
في هذه المرة، دمجت Google نموذج Gemini 3.5 Flash في شريط البحث بأكمله، وأصبح الناتج ليس عشرة روابط زرقاء، بل "صفحة مخصصة" مولّدة بالذكاء الاصطناعي — تتضمن ملخصًا وتتيح أيضًا إجراء محادثات متعددة الجولات. بل يمكن للمستخدمين رفع الصور أو الملفات أو الفيديو أو علامات تبويب Chrome كنقطة بداية لاستعلاماتهم. وهذا يعني أنه بالنسبة للنية نفسها، لن تكون نتائج البحث المستقبلية مجرد "صفحة معيارية" واحدة، بل "موجزًا شخصيًا" يخص كل مستخدم.
هذا التحوّل في النموذج أعمق من الواجهة نفسها. ففي الماضي، كانت المعلومات تُعرض للمستخدم عبر صفحات الويب؛ أما الآن، فإن النموذج يولّد المعلومات للمستخدم. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك زيادة في الكفاءة؛ أما بالنسبة للشبكة المفتوحة بأكملها، فقد يسحب منها حركة المرور التي تعتمد عليها في استمرارها.
ثانيًا: انهيار اقتصاد حركة المرور وتصفية النظام البيئي للمحتوى
على مدى العقود الثلاثة الماضية، قامت بين Google والشبكة المفتوحة علاقة تكافلية دقيقة: اعتمدت Google على محرك البحث في فهرسة المواقع وقيادة حركة المرور إليها، بينما اعتمد ناشرو المحتوى على Google للحصول على القراء وإيرادات الإعلانات. أما في ردود الذكاء الاصطناعي، فإن النظام يقوم تلقائيًا بتلخيص محتوى المواقع للإجابة عن الأسئلة، دون أن يحتاج المستخدم إلى النقر للوصول إلى الموقع الأصلي. يحصل المستخدم على مبتغاه من الإجابات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، بينما لا يعدو الموقع الأصلي كونه مجرد بيانات في الخلفية.تُظهر البيانات بالفعل هذا الاتجاه: ذكر التقرير أن المواقع الإخبارية شهدت في 2025 انخفاضًا ملحوظًا في الزيارات، كما أن الزيارات التي تحصل عليها الشركات الصغيرة من Google آخذة في الانخفاض. بل إن محللي السوق حذّروا في وقت مبكر من 2024 من أن "AI Overviews" ستوجّه "ضربة قاصمة" للناشرين ومنشئي المحتوى. ويتركز أثرها الرئيسي في جانبين: الأول هو استقطاع نقرات المستخدمين مباشرة، مما يقلّص بشكل كبير عائدات الإعلانات؛ والثاني هو جعل نموذج أعمال SEO (تحسين محركات البحث) رهانًا — لأن ما تقوم بتحسينه لم يعد الوجهة التالية للمستخدم، بل التفضيلات الداخلية لنموذج الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن Google نفسها لم تتضرر من ذلك. في أحدث ربع مالي، ارتفعت عائداتها الإعلانية إلى 77 مليار دولار، بزيادة قدرها حوالي 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. لا تزال إعلانات البحث قوية، لكن هذا النمو أصبح يتضمن بالفعل تحقيق الدخل من نماذج الذكاء الاصطناعي. بعبارة أخرى، تستنزف Google من ناحية حركة المرور على الويب المفتوح عبر الملخصات الاصطناعية، ومن ناحية أخرى تُبقي كعكة حركة المرور المتبقية لنفسها، أو تبيعها للمعلنين. وهذا بلا شك شكل جديد من أشكال الريع الرقمي.
ثالثًا: ظهور الوكلاء الاصطناعيين: عندما لم يعد البحث بحاجة إلى "البشر"
ما له أهمية طويلة الأمد حقًا هو الانتقال في سلوك البحث من "الاستعلام اليدوي البشري" إلى "التنفيذ الخلفي بواسطة وكلاء الذكاء الاصطناعي". أصدرت Google في مؤتمر I/O هذا نوعين رئيسيين من المنتجات: الأول هو وكيل معلومات يمكنه تتبع أحداث معينة — حيث يراقب باستمرار العقارات وأسعار الأسهم والأخبار وما إلى ذلك بعد أن يحدد المستخدم الشروط؛ والثاني هو وكيل ذكاء اصطناعي باسم Gemini Spark، يمكنه تشغيل المهام في السحابة بعد إيقاف تشغيل جهاز المستخدم.
وهذا ينذر بمرحلة جديدة من "اقتصاد الوكلاء": لن يزور البشر المواقع الإلكترونية واحدًا تلو الآخر، ولن يعيدوا التحديث مرارًا وتكرارًا، بل سيكلّفون الوكلاء بمهام يمكن معالجتها على التوازي بأعداد لا نهائية. لم يعد البحث لحظة واحدة، بل عملية تعمل دائمًا في الخلفية؛ لم تعد الصفحة الرئيسية للمتصفح بوابة، بل نظام الوكلاء هو البوابة.
إذا انتشر هذا النموذج، فستشهد آلية توزيع حركة المرور على الإنترنت تغييرًا جذريًا مرة أخرى: من الدفع بـ"نقرات المستخدم" إلى الدفع بـ"استدعاءات الوكلاء". ما ستجذبه المواقع لن يكون انتباه البشر، بل زيارات الآلات. وهذا يعني أن مجموعة تقنيات جديدة (مثل واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة الموجّهة للوكلاء) وآليات الثقة الجديدة (كيفية التحقق من هوية الوكلاء) ستصبح أسئلة إلزامية. لدى Google سبب وجيه لجعل هذا ساحة معركتها الرئيسية، لأن شريط البحث هو بالضبط أفضل مدخل لتمكين المستخدمين للوكلاء.
رابعًا: رأس المال والجغرافيا السياسية: سباق التسلح التقني خلف البحث بالذكاء الاصطناعي## رابعًا: رأس المال والجغرافيا السياسية: سباق التسلح التقني خلف البحث بالذكاء الاصطناعي
إن تحول Google لم يكن جهدًا فرديًا. لقد أصبحت OpenAI منذ فترة طويلة مرادفًا لـ"محرك الإجابات" عبر ChatGPT، كما أن Claude من Anthropic يوسع نطاقه في سوق المؤسسات. وفي سبيل استعادة أرضها، تدفع Google تحديث نماذجها بوتيرة متسارعة. وفقًا لما تم الكشف عنه، يغطي Google AI Overviews أكثر من 2.5 مليار مستخدم نشط شهريًا، بينما يصل عدد المستخدمين النشطين شهريًا لتطبيق Gemini إلى 900 مليون، وقد استحوذ على أكثر من ربع حركة المرور في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما كان هذا الرقم 7% فقط قبل عام.
خلف هذه الأرقام إنفاق رأسمالي ضخم. صرّح بيتشاي أن النفقات الرأسمالية لعام 2026 بأكمله من المتوقع أن تتراوح بين 180 و190 مليار دولار، مع تركيز الاستثمار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والرقائق. إن استثمارًا بهذا الحجم يتجاوز حدود المنافسة التجارية العادية ليصل إلى مستوى الاستراتيجية الوطنية. البحث هو البقرة الحلوب لجميع منتجات Google، وتستخدم Google هذه البقرة الحلوب لتمويل الجيل القادم من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي — وهذا في جوهره عملية تجديد ذاتي.
في الوقت نفسه، يحوّل هذا التنافس على البحث بالذكاء الاصطناعي إلى "لعبة العمالقة" التي تتطلب بنية تحتية سحابية قوية، وقدرات على توريد الرقائق، وقدرات البحث وتطوير النماذج. يصعب على الشركات الناشئة تكرار تحول Google في البحث بالذكاء الاصطناعي، لأن المعيار لا يقتصر على قدرات النماذج فحسب، بل يشمل أيضًا التكامل العميق مع محرك البحث والمتصفح وأندرويد وحتى يوتيوب.
خامسًا: إعادة تركيز السلطة المعلوماتية ومخاطر الصالح العام
هناك قضية كانت تُعتبر سابقًا "كلامًا مبتذلًا" لكنها باتت بالغة الأهمية: البحث هو نافذة الإنسان على العالم الرقمي. عندما يتولى الذكاء الاصطناعي زمام البحث بالكامل، فإنه لا يكتفي بتصفية المعلومات، بل يعمل على توليد "الحقائق". في الماضي، كان المستخدمون يرون عشرة روابط ويوازنون بأنفسهم بين المصادر والتحيزات؛ أما الآن، يقدّم النموذج إجابة واحدة، ونادرًا ما يتساءل المستخدمون عن حدود المعلومات.
هذا التغيير يُعد انتصارًا للكفاءة على المستوى التقني، لكنه قد يشكل تراجعًا على مستوى المعرفة العامة. الآراء المتخصصة، والأدلة المخالفة للتيار السائد، والكتّاب الأصليون الذين خُفّضت أوزانهم بواسطة الخوارزميات، كل هؤلاء يصبحون أكثر صعوبة في اكتشافهم تحت ضغط الإجابات الموحدة. كما ستُغرق أصوات المؤسسات النشرية ومنشئي المحتوى بشكل أكبر في الملخصات المولّدة من النماذج دون مصادر واضحة. هذه ليست مجرد أزمة للصحافة، بل تتعلق بتعددية المجتمع وحق الاطلاع.
أشار مراقبون إلى أنه بينما تجعل Google "كل شيء يحدث في صندوق بحث واحد"، فهذا يعني أيضًا أن "جزءًا كبيرًا من الويب الذي كانت Google تعتمد عليه سينهار معها". ربما لا تكترث Google، لأن هدفها النهائي يبدو جعل صندوق البحث قادرًا على كل شيء. لكن عندما تمتلك منصة واحدة الإجابات والهوية وتنفيذ المهام في آنٍ واحد، فإنها لم تعد مجرد "أداة"، بل تصبح "مملكة بوابة"، وتأثيرها يتجاوز بكثير ما يمكن أن تغطيه تدابير مكافحة الاحتكار التقليدية.
سادسًا: من "إنترنت البوابة" إلى "إنترنت المهام"تاريخيًا، شهد التفاعل مع الحواسيب انتقالًا من سطر الأوامر إلى الواجهة الرسومية، ثم من المتصفح إلى تطبيقات الهاتف المحمول، والآن يتجه نحو الوكلاء الأذكياء. كان مربع البحث بمثابة «سطر أوامر» الإنترنت، حيث يتيح للمستخدم إدخال طلبه والحصول على قائمة بالنتائج. أما المساعد الذكي فهو أقرب إلى مزيج من الواجهة الرسومية والوكيل؛ فهو لا يسعى إلى العمومية بل إلى الدقة.
تنتقل جوجل من كونها «وسيطًا يربط المستخدمين بالمواقع الإلكترونية» إلى «منفذًا يربط المستخدمين بالمهام». خلال هذه العملية، سيتم قطع العديد من الروابط القديمة. نظام الزيارات للمواقع المفتوحة، وسلسلة الصناعات المعتمدة على تحسين محركات البحث (SEO)، ونموذج الإعلانات القائم على النقرات، كل ذلك يجب أن يتكيف مع البنية الجديدة.
لكن هذا لا يعني أن صفحات الويب ستختفي. على العكس، ستزداد قيمة المحتوى البشري الأصيل، لكنه لن يعود يُلتقط عبر الفهرسة المجانية، بل سيحتاج إلى تحقيق عائد من خلال اتفاقيات الترخيص والبيانات المنظمة التي يمكن للذكاء الاصطناعي استدعاؤها. ربما لن يكون شكل الجيل القادم من الإنترنت عبارة عن عدد لا يحصى من صفحات الويب المترابطة، بل عدد لا يحصى من الوكلاء (Agents) المتعاونين، ومجموعات البيانات، ومكتبات المحتوى المرخصة.
خاتمة
إن إعادة هيكلة جوجل للبحث هذه ليست مجرد ترقية للمنتج، بل هي تحول مؤسسي حول قواعد توزيع المعرفة على الإنترنت. لم يعد البحث أداة «مساعدة الناس على العثور على صفحات الويب»، بل أصبح واجهة «تولّي عن الناس توليد نموذج للعالم». على أنقاض حركة الزيارات، ينهض نظام رقمي جديد.
لا أحد يعرف ما إذا كان هذا النظام في نهاية المطاف جدارًا مغلقًا أم منصة مفتوحة. لكن منذ اللحظة التي ضخت فيها جوجل الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في البحث، فإن الإنترنت القديم الذي كانت الروابط الزرقاء تمثل معالمه، قد طويت صفحته إلى الأبد.
حدود المصادر · thedailytech
تضع thedailytech هذه الملاحظة ضمن أخبار التقنية / الذكاء الاصطناعي والابتكار / شركات التقنية الكبرى. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أخبار التقنية / الذكاء الاصطناعي والابتكار / شركات التقنية الكبرى يوضح الزاوية التحريرية المحلية.